الجمعة، 31 مايو 2019

GAME OF THRONES FI RAMADAN

GAME OF THRONES × السيرة الهلالية

(مفارقات ومقاربات)




تابعت بشغف استحواذي ضمن كثيرين حول العالم مسلسل Game Of Thrones خلال فترة زمنية طويلة قاربت العِقد (2011 - 2019)، فترة يمكن بعدها للفرد منا أن يقيم ويرصد تطوره كإنسان من عدة نواحي، ومع مراسم وداع هذا العمل الرائع، المتعلق وجداني بأدق تفاصيله والحوارات المقتبسة على لسان أبطاله، ومواقع التصوير، وموسيقاه الخيالية، يطفوا السؤال مُلحاً على جنبات العقل، هل تطورت شخصيتي خلال هذا العِقد كتطور أبطال العمل، شاهدنا أطفالاً في عمر العشر سنوات تمر بتجارب قاسية متشابكة لينتهوا بعدها ملوكاً في عمر العشرين على ممالك ممتدة، تابعنا الحِكمة على لسان رجال عاصروا أهوال الحياة فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ضل سعية بالاختيارات الضالة، ومنهم من أحسن فنال.

وتأتي الإجابة مُخيبة للآمال، فيخفف من وطأتها شفاعة أن هذه العمل الملحمي إنتاج فني ضخم، بُذلت فيه ميزانيات كان يمكنها أن تُغير حرفياً مجتمعات على أرض الواقع، إلا أن هذه هي طبيعة صناعة السينما والترفيه؛ أسر عقول وقلوب المتابعين بعيداً عن أرض الواقع، ومع ذلك لن تتمكن أن تصبح لاعب فنون قتالية بعد مشاهدة أعمال بروس لي، ولن تستطيع أن تصبح جون سنو، لكن ربما يمكنك أن تتأثر بحكمة الليدي أولينا تايريل أو اللورد فاريس وتيريون لانستر وسير دافوس أو تتعلم اتقاء أطماع شخصيات كاللورد بيتر بايليش.

وهنا تكمن قيمة الخيال والإبداع، نسج طبائع الحِكمة والفضيلة والجشع والرزيلة في شبكة فنية مُتقنة الصُنع يُفتتن بها المتلقي أياً كانت خلفيته، إنه سلاح الإتقان، والفن فعلاً مرآة للشعوب، وصناعة الفن مرآة لقدرتها على الخيال، والخيال محرك العلم والتكنولوجياً، والعلم سلاح آخر يتسيد به مجتمع ما على غيره.

هذا وقد صرح عزيزي القارئ الكاتب الكبير الفيلسوف المثير للجدل يوسف زيدان في بوست له على صفحتة على الفيسبوك بما مفاده أنه تابع المسلسل من باب اطلاعه على الرائج ووجد أنه مسلسل تافه يخلوا من الحبكة والعقلانية ولا يمكن أن يقارن بما لدينا من صراعات وقعت حقيقة كأحداث الفتنة الكبرى أو فترة حكم المماليك وغيرها، تلك مقاربة بين يوسف زيدان ومسلسل GOT فكلاهما مُثيران للجدل، في الحقيقة معه حق على الأقل في المُقاسُ عليه من تصريحه، (إحنا ملوك الصراعات) ولكن المفارقة هي عدم قدرتنا على تمثيل هذه الخامات الثرية أو استخلاصها منطقياً عن طريق الكتابة فضلاً عن تقديمها فنياً، ربما نتفاوض مع جورج أر أر مارتن وشبكة HBO على قراءة تراثنا وتقديمه للعالم على غرار ملحمة أغنيات الثلج والنار.

صادف انتهاء مسلسل GOT أثناء شهر رمضان الكريم مرتع الأعمال الفنية المصرية الرائعة (إللي على قدها وعلى قدنا) التي لا أشاهد معظمها درءً (لحاجات كتير)، واستعيض عن ذلك بالتماس استعادة مشاعر الطفولة في الأعمال الرمضانية القديمة، تَشكَل ذوقي الفني غالباً بمحصلة جهود (فؤاد حداد وسيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي، عمر خيرت وعمار الشريعي، علي الحجار وأنغام ومدحت صالح، نيللي وشريهان سمير غانم وفؤاد المهندس) وكان الاختيار هذا العام على مسلسل السيرة الهلالية (الملحمي) الواقع في ثلاث أجزاء (1998، 1999، 2000)، لأُفاجأ صراحة بمقاربات كثيرة بينه وبين GOT، هل هي مجرد صدفة، أم أن معظم الصراعات البشرية تشترك في شخصيات وعناصر كثيرة (الحب والخيانة، الجبن والشجاعة، الطمع والإيثار، الشتات والائتلاف)، (وممكن يكون جورج أر أر مارتن شاف السيرة الهلالية ماهي موجوده على اليوتيوب).

المهم، أنا لا أعتبر نفسي ناقداً، وهذا يحررني بطبيعة الحال من اتباع مناهج النقد في تتبع السيناريوهات وزوايا الكاميرا وفنون السينماتوجرافي والـ CGI بالنسبة لمسلسل GOT، أو نقد مجرد قواعد المنطق البسيط واحترام أدنى حرفية بالنسبة للسيرة الهلالية، وإن كنت أتمنى أن يكون لدي مثل هذه الخبرة، (وديني ماكنت عتقتهم) وهذا يعني أن ما يلي سيكون عرضاً لبعض المشاهدات التي أثارت انتباهي من مقاربات بين بعض الشخصيات والأحداث..

ولتقديري التام لجودة صناعة GOT وإدراكي لمدى تواضع صناعة السيرة الهلالية حتى مع مراعاة فرق الوقت بين صناعة المسلسلين.
فأنا آسف حتماً لما سترونه ..




مقاربات أبو زيد الهلالي مع Jon Snow


وُلِدا سفاحاً:
ولد أبو زيد الهلالي أسود البشرة (والبشرى) دلالة العبيد في تلك الأزمنة، فاتهم قومه أُمهِ (خضراء الشريفة) بأنها واقعت أحد عبيد أبيه (رزق بن نايل الهلالي) فحملت به سفاحاً وتربى تحت اسم (بركات)، ثم تكشفت الحقيقة بالتفافة (تويستاية عبقرية) لا أعرف مدى مطابقتها للعلم؛ بأن خضرا الشريفة قد توسمت (توحمت) في طائر الغراب النوحي الذي فرق الجوارح من تحته، بأن يصبح وليدها فارس أسود على غرار ذلك الغراب، ليصبح بعدها (بركات/سلامة/أبو زيد الهلالي).

على الجانب الأخر عاش (جون سنو) معظم حياته في بيت اُعتبر فيه نغل للأب (نيد ستارك)، يصعب على قومه قبوله خليفة لأبيه على الشمال إلا بعد معاناة، ثم استبصر به الغراب وبرأ نسله ونزاهة أبيه وأصبح بعدها (إيجون تارجيريان) (بيفسح التنين).

الغراب:
الغراب نفسه مقاربة بين المسلسلين فبينما أصل الحكاية في السيرة الهلالية نبوءة الغراب النوحي، فنجده في صراع العروش رمز الاستبصار الذي سيحصد العرش في الأخير (ثيرد أيد رافِن)

 









لم الشمل والتنبيه للخطر الأكبر:
أبو زيد الهلالي غاية هدفه إنقاذ عرب نجد من (الجدب) الذي لحق بأرضهم، ولم شمل كل القبائل المتناحرة (بني عقيل، الزحلان، الفوايد، الزغابة، بني هلال) وقبول حتى أشد القبائل كرهاً لنبي هلال ضمن الجمع في رحلتهم لمحاولة الاتفاق مع قبائل الهمج (البربر) وملك المغارب الباطش (الزناتي خليفة) ملك تونس الخضراء للوقوف في وجه الخطر الأكبر (الأعاجم).

جون سنو يسعى لذات الهدف؛ لم شمل كافة عائلات الشمال، وحتى قبائل الهمج (الوايلدنج)، وحمايتهم من خطر (الشتاء الطويل القادم) والاتفاق مع الملكة الباطشة (سيرسي لانستر) للوقوف في وجه الخطر الأكبر (النايت كينج)

Winter Is Here    /    الجدب إز هيير

 
الوعد الكاذب:
يسوق أبو زيد الهلالي الوعد الذي سعى إليه على طول رحلته، بأن يتحالف مع الزناتي خليفة لإحلال السلام ومحاربة الأعداء، وعلى أدنى الاحتمالات أن ينتصر على الزناتي سيفاً ليُنعِم على شعوب المغرب بحكم قبائل نجد العادل، ليتضح في الأخير أن حكم الزناتي الظالم الجائر أهون بكثير من ذلك الُحلم الكابوس، فقادة عرب نجد بما فيهم من شرور كامنه وخلافات مستعرة (مغلفين فقط بفروسية أبو زيد الهلالي)، سيكونون وبالاً على أهل تونس، وسيصبح (دياب) كبير بني زغابة الذي سيهزم الزناتي، أشد فتكاً بهم.

وعلى الجانب الأخر يقدم جون سنو الملكة (دينيريس تارجيريان) على أنها الُحلم الواعد للسبع ممالك، حُلم الحرية وكسر عجلة الاستعباد لشعوب الممالك، والحاكم الشرعي بديلاً عن (سيرسي لانستر) الملكة الجائرة، لتكشف الأوقات بعد طول الرحلة الوجه القبيح للوعد الكاذب، بالحرية التي لن تتغاضي (دينيريس تاريجيريان) إحلالها ولو بالخوف والقوة وبإحراق الشعب ذاته الحالمة بتحريره.

Let it be fear   /   ولا يوم من أيامك يا سيرسي



الشعار المنتصر:
ففي السيرة الهلالية نجد الشعار المنتصر لديهم متمثل في (دياب) كبير الزغابة، وشعاره (الذئب) الذي ظهر لـ (سُعده الزناتي) على صفحات الرمل أمامها، والذي قُدر له هزيمة الزناتي خليفة (أسد الغروب – الأسد العجوز)، فالذئب سيهزم الأسد.

وعلى الجانب الأخر فإن (الذئب) هو شعار حاكم الشمال (جون سنو) خليفة بيت أبيه المزعوم (نيد ستارك)، ومن بعده أخته (سانسا ستارك) التي ستنفصل بالشمال كمملكة مستقلة عن الست ممالك الأخرى، وذلك بعد أن تُهزم (سيرسي لانستر) وشعار أسرتها (الأسد)، فالذئب سيهزم الأسد.

 




مقاربات دياب ابن غانم الزغابي مع Tormund


كفّة راجحة:
لا شك أن (دياب بن غانم) كان الثقل الذي أتاح لأبو زيد الهلالي رجاحة كفته، فهو قوي مقدام، رغم همجيته إلا أنه يحمل في جيناته صفات النبل والفروسية، ورغم الخلافات الكثيرة بينهما إلا أنهما عقدا تحالفاً أدى لانتصار عرب نجد على الزناتي خليفة.

وهذا هو الحال مع (تورموند) قائد قبائل الهمج (الوايلدنج) شعوب ما وراء السور، الذي أصبح بتحالفه أولى خطوات نجاح (جون سنو) في لم شمل الشمال، والانتصار على خطر جيش الموتى.

الهيام:
رغم صلف (دياب) وفورة التستسترون في داخله إلا أنه يهيم (بالجازية) أخت السلطان حسن، ويكفيه نطق اسمها أمامه لهز أركانه، وربما الخضوع وتحويل معالم الهيبة على وجهه.

كذلك (تورموند)، زعيم قبائل (الوايلدنج)، قاهر العمالقة التي رضع من ثدي إحدى إناث العمالقة بعد قهر زوجها، وقد قبّلَت النار روحه ليصبح ذو لحية كستنائية زنجبيلية (جينجر)، كل هذه الصفات الأسطورية تتحطم أمام خفة مقولته The Big Woman Still Here ?  (الليدي بيريان أوف تارث) الذي هام بها.



مقاربات أبو القمصان مع Samwell Tarly


أبو القمصان صديق البطل أبو زيد الهلالي، هزيل البنية لا يتقن النزال كصديقه البطل، ولكنه صديق وفيّ، يَتسِم بالحكمة والذكاء، وقد قُتل أبوه نجاح على يد أحد أكابر الهلالية، وحينما التجأ لأبو زيد ليقتص لقتل أبيه، سوّف أبو زيد معه الأمر ورفض بدعوى أنهم في محنة حرب.

سامويل تارلي صديق جون سنو، صعب الحركة ولا يتقن النزال كصديقه البطل، لكنه صديق وفيّ، يَتسِم بالحكمة والذكاء، وقد قتلت الملكة دينيريس تارجيريان أبوه وأخوه حرقاً بنار التنين (داراكاريس كده وهما واقفين)، وحينما التجأ لجون سنو ليقتص لقتل أبوه وأخوه، سوّف معه جون سنو الأمر ورفض بمقولته She is our Queen.



مقاربات العلاّم وزير الزناتي مع Lord Varys


ظهر العلام وزير الزناتي بمظهر الوزير المخلص الحكيم الذي يكتسب حكمته من علمه (بالخط في الرمال)، ويتماس علمه مع اسمه (العلّام)، بينما هو يطوع هذه الحكمة خفية في التخطيط لهزيمة ملكه، لاقتناعه الشخصي بأنه حاكم ظالم وأن الحاكم القادم سيحقق حياة أفضل للشعب المدحور.

يتشابه الأمر مع اللورد فاريس الذي يعمل في البلاط الملكي، مطوعاً كل حكمة لديه، التي يبنيها من خلال (همسات الصغار) فهو (The Master of Whisperers)، ليخطط من وراء الستار لتنصيب الحاكم الأفضل لمصلحة الـ (Realm).



مقاربات القاضي بدير مع Lord Petyr (Little Finger) Baelish


القاضي بدير لا يكل ولا يمل من نسخ خيوط الغدر بأي إنسان حتى ولو كان ذو قرابة، لا يسعى سوى للارتقاء ولو على أعناق كل البشر، يخون الصديق ثم يصدقه ليخونه مرة تلو المرة.

وهذا ما تميز به اللورد بايليش، وهو ما يتجسد في مقولته الشهيرة (Chaos Is A Ladder) الفوضى سُلَّم، يثير الفوضى ليرتقي، أحب كاتلين ستارك وخانها، وأحب ابنتها سانسا ستارك وخانها.



Melisandre (The Red Woman) مقاربات الدرويشة أيلوله مع


امرأة عجوز، درويشه وأم الدراويش، لها أحوال مع القوى العليا والاستبصار بالقادم، تسعى في تجنيد دراويشها استعداداً للحرب المنتظرة، التي سينتصر فيها الأمير المنتظر.
ميليساندري خادمة إله النار، تبعث الموتى (جون سنو) من الرقاد، وتسعى دائماً في تجنيد الرجال (الأخوية) لخدمة إله النور في الحرب القادمة، (you’ll shut many eyes)



مقاربات مكحول بن الغطريف وجوده ملك الزحلان ومرعي مع Jaime Lannister


هي مقاربة عابرة ولكنها تسترعي الانتباه، حينما تبرز علامتان في السيرة الهلالية، وهي قطع يد الأمير مكحول بن الغطريف ليستمر باقي المسلسل مقاتل بيد واحدة، وكذلك الأمير مرعي، وحينما يقتل الأمير جوده عمه الفضل ملك زحلان، ثم يحمل نعت (قاتل الملك) وزراً على أعناقه لأخر المسلسل.
مع شخصية جيمي لانستر (ذابح الملك)، ذو اليد المبتورة.

فياترى هل كل هذه المقاربات هي محض صدفة وتلفيق خيالي، الأمر يستدعي التفكير.




الخميس، 21 يونيو 2018

رمضان زمان ورمضان الآن

(رمضان زمان ورمضان الآن)

ذكرى البؤس والحرمان
من بعض إعلانات رمضان




شهر رمضان جميل جداً، رمضان زمان طبعاً، باعتباره من أحلى ذكريات الطفولة عندي، أنا واحد من جيل الثمانينيات، واعرف الفرق كويس بين رمضان زمان ورمضان الآن، هي إشكالية عادية جداً، دايماً زمان أحلى، ورغم البؤس اللي احنا فيه دلوقتي، أولادنا كمان عشرين سنة هايحلفوا بذكريات دلوقتي.

المهم، أنا مش هاعمل مقارنة، لأنها هاتبقى بايخة ومؤلمة، أنا هارصد حالة أكثر إيلاماً من الانكسارات اللي عشتها ومعلمة في روحي، واعتقد عاشها كتير من جيلي، افتكرت البؤس ده كله وانا بتفرج على مجموعة إعلانات EGBank مجمعة من على اليوتيوب بعد رمضان كالعادة لأني مابتفرجش على التلفزيون.

اللي عمل فكرة الإعلانات دي مصري مأصل، ما فيه إعلان من دول إلا وافتكرت معاه نفس الحالة دي في فترة من حياتي، وكنت مفكر أنا لوحدي اللي اتعمل معاه الصح في حياته، وشكله كان كاس وداير.

وكنت بفكر أشرح اللي حصل معايا بالظبط، بس حسيت إن الإعلانات هاتعبر عن المواقف دي بشكل أفضل، واعتقد هاتمس معظم جيلنا ..
ماتيجوا نشوف...

أول يوم شغل
(لما تحس إنك من أولها كده مالكش مكان – وآخرك هاتترمي علي أي جنب)

مرحلة جس النبض
(تبقى راجل ملو هدومك ، ويتجس نبضك في ركنة عربية أو عمل كوباية شاي)

جو ابتدائي في الشغل
(أبوك ييجي ياخدك ، كأنه بيستلف فيسبا وهايبقى يرجعها تاني يوم)

إترمي انت في أي تاكسي
(مانا ابن البطة السودة)

السايس أهم منك أصلاً
(لما تلاقي نفسك بتتعامل أقل ما كان خيالك يجيبك – معلش أصل الركنة دي للبهوات الموظفين)

إحنا نعمل أبجريد للسيرفيرات
(الأفكار الخزعبلية راكبه ومدلدلة)

إيميل القبض
(هما 240 في ظرف)

وده اللينك لصفحة إعلانات EGBANK – علشان تعبت

الخميس، 19 أبريل 2018

خطة لتحقيق الهدوء داخل الأسرة


قراءة في كتاب
كيف تفوز في مشاكل البكاء والمشادات مع طفلك
(خطة لتحقيق الهدوء داخل الأسرة)
لـ سنثيا ويثام



- الأطفال أحباب الله، وأعتقد أنهم أحباب الشيطان كذلك، لقدرتهم العفوية على إخراجك من الملة، طفلاً كُنتُ أشعر أنني إنسان مستقل تماماً عن هؤلاء الكبار الذين يعاملونني من مُنطلَق الرياسة والتبعية وما يقتضيانه من السمع والطاعة.
لماذا يعاملونني هكذا ؟! فأنا إنسان كامل مثلهم، صغير نعم، ولكن أعرف جيداً أن لدي رؤى ومخاوف وتطلعات ورغبات تشعرني بالسعادة وأود تحقيقها، وهؤلاء الأغيار الذين أحبهم لا يمتلكون غير التوجيه والتعديل والامتعاض وأدوات للعقاب، ونادراً ما يرتضون بتصرفاتي، ثم كبرت وأخذت مكانهم، حتماً سأكون مراعياً لكل هذه الحيثيات، هههههه.
عندما يكبر الإنسان ينسى تماماً كيف كان صغيراً ، كيف كانت مخاوفه ورغباته وتطلعاته وإحساسه بالاستقلالية، يشعر فقط بخوفه على أطفاله وبرغبته في أن يكونوا ناجحين ومثاليين، برغم أنه ذاته يمكن أن يكون نموذجاً مثالياً للفشل والخذلان، ولكنه سيوجِه ويُعدِّل دائماً على سلوك أطفاله، وسيرفض معظم رغباتهم وتطلعاتهم وتصرفاتهم، وسيُنزِل بهم العقاب، مادياً كان أو معنوياً، عن قصد أو بغير، إذن هي معركة، لن يفوز فيها الكبار إلا إذا تذكروا كيف كانوا وهم صغار، ويعاملوا أطفالهم من منطلق الاستقلالية واحترام الآخر وإن كانوا صغار، وليس من منطلق (أنت ومالك لأبيك)، حين يتحقق ذلك حتماً ستفوز الأسرة وتنعم بالهدوء والتفاهم، يااااارب.

- وهذا الكتاب يُعد مساهمة معتبرة في تحقيق هذا الهدف، وفيما يلي أهم النقاط التي لخصتها من قراءتي..

- استخدام الثناء يرسخ الأفعال الطيبة التي يقوم بها الأطفال ويحفزهم على المزيد، ويجب أن يكون الثناء حقيقياً غير مفتعلاً، ينصب على السلوك بوضوح ويعطي الطفل المسئولية عن أفعاله، يخلوا من أي تهكم أو مقارنة بالآخرين، مليء بالاهتمام والانتباه الإيجابي.

- محاولة مراعاة قدرات الطفل التي توجه له المهام، فإن كانت مهاماً كبيرة فجزئها له، وتابعه في كل جزء ينجزه واعطه اهتمامك، وإن كانت مهاماً صعبة فلا مانع من مساعدتك له بالجزء الذي يرسخ لديه روح التعاون ولا يقع به في شرك التواكل والتهاون.

- استخدام التجاهل الواعي في أوقات كثيرة يغيّر من سلوكيات الطفل للأفضل، وهناك فرق بين عدم الانتباه والتجاهل الواعي، وهذا الأخير أداة جيدة في مقابل حاجة الطفل الدائمة للاهتمام والانتباه، فعندما يفعل سلوك ما لا يعجبك وتتجاهله فإنك تعلن له عدم رضائك عن هذا السلوك، ولكن لهذا التجاهل ضوابط فلا يجب أن يستمر هذا التجاهل لمدة طويلة ويجب أن يكون محكوم بفترة وعي الطفل بأن سلوكه هذا غير لائق وغير مستوجب الاهتمام فيبدأ في تغييره ليحصل على اهتمام والديه مرة أخرى، ويجب في هذه الحالة فوراً الثناء على سلوك الطفل الذي غيره لأجل انتباهك، غير أن التجاهل الواعي يحتاج لتدريب دائم حتى لا يتحول إلى عدم انتباه بالمرة فيستمر الطفل في سلوكه الخاطئ، ويحتاج كذلك لهدوء وحيادية حتى لا ينتهي بصراخ الوالدين نتيجة كبت مشاعرهم خلال فترات التجاهل عندما يكونوا مضغوطين أو غير واعيين لأداة التجاهل وهذا الصراخ والانفعال ليس حزماً وإنما باباً واسعاً للعنف الأسري.


- وهذا يقودنا إلى فرق أخر بين الحزم والانفعال، فالإنفعال المتواصل والصوت العالي في أغلب الأوقات هما الركيزتان الأساسيتان اللتان يولدان العنف ويرسخانه في عقل الأطفال لأن الطفل سيعي أن تلك هي الطريقة الأمثل في التعامل مع الأمور، لذلك على الوالدان أن يحاولا دائماً ضبط إنفعالاتهم والتحدث بهدوء وإيضاح الفكرة، وهذا سيعزز أمر آخر في غاية الأهمية لدى الأطفال وهو إبراز (التفكير) دائماً كأداة فعالة لحل المشكلات أو تجاوز العقبات التي تواجههم.

- التعاون سلوك إيجابي يجعل التعامل داخل الأسرة سلس من غير مشادات، مما يحقق الهدوء والسلام لفترات طويلة، ولترسخ سلوك التعاون مع طفلك لابد أن تستخدم الأدوات التالية:
أولاً: إعطاء الطفل حق الاختيار ، بأن تقدم له خيارين للأمر التي تريده فإذا اختار أحدهما فاثن على اختياره واشكره وإذا اقترح هو خياراً ثالثاً فاقبله إن كان فعالاً أو مقارب للهدف.
ثانياً: إعطاءه قليلاً من الوقت قبل أن تلزمه بفعل معين ، فإن هذا الاستعداد يعين الطفل كثيراً على تقبل هذا الفعل،  فإذا حان وقت النوم ومازال طفلك يشاهد التلفزيون فاخبره بأن لديه عشر دقائق قبل يذهب للنوم.
ثالثاً: استخدام المفاوضات وعقد الاتفاقات المشروطة ، بأن تقايضه على ميزة يحبها وينشدها في مقابل قيامه بفعل ما، ولكن مع الحذر من الوقوع في شرك الابتزاز، فالهدف الأسمى هو ضبط سلوك الطفل وليس قيادته وحمله على الطاعة الصماء.
# قراءتي التالية المُكملة لهذه الكتاب يمشيئة الله ستكون حول (كتاب أسئلة حرجة لـ عبد الرزاق نوفل) ليكون ذلك محور آخر جديد لمحاور قراءاتي وهو (محور القراءات التربوية).

الاثنين، 16 أبريل 2018

الفتاة الأفغانية


الفتاة الأفغانية
(السحرُ كما ينبغي أن يكون)




-        شربات جولا ؛ فتاة أفغانية مات عنها والداها في قصف سوفييتي في ثمانينيات القرن العشرين ، ارتحلت بصحبة من تبقى من أقاربها في صقيع الشتاء إلى مخيم بباكستان الملاصقة لبلدها ، ملاصقة في الحدود ، مطابقة في البؤس ، في عام 1984 كانت تبلغ حينها اثنتي عشر عاماً.
 
-   التقُطَت لها صورة على يد مصور شبكة ناشيونال جيوغرافيك ستيف ماكوري ، ووضعت صورتها على غلاف المجلة الشهيرة ، صورة ساحرة ، عيناها خضراوان متحديتان عميقتان ، شعر منسدل تحت وشاح أحمر قاني محروقة أطرافه ، وجه شاحب به بعض الندوب.

-     يقوم المصور الصحفي بعد سبعة عشر عاماً بالبحث عنها مدعوماً بشكل رسمي من المجلة ، فالفتاة الأفغانية على مدار هذه السنين قد اشتهرت وذاع صيتها بقدر الغموض الذي يحيط بها وبمصيرها ، في الفيلم الوثائقي الذي يرصد عملية البحث هذه ، يرجع المصور إلى ذات المخيم ويلتقط صورة أخرى لفتاة أخرى تبلغ بالكاد عشرة أعوام ، وجهها يملؤه ذات السحر والعمق والغموض ، ثم يصل المصور أخيراً إلى ضالته ويقابل عائلة الفتاة الأفغانية ، ويعرف مآلها ، ويخبرها بأنها لطالما كانت مشهورة وتغزوا صورتها العالم ، سترى في وجهها رغم التقدم في السن ذات السحر والعُمق والتحدي مغلل بالقيود.

-       أخبرته هي أنها وعائلتها لم يشاهدوا الصورة مطلقاً ، وأنها حتى صورتها الوحيدة ، لم تتصور قبلها أو بعدها ، وأنها تتمنى أن يتعلم أبناءها ، وتتمنى في نهاية الفيلم من الشعب الأمريكي (حسب الراوية) مساعدة بلدها أفغانستان جراء ما شهدته من تخريب.





-       انتهى الفيلم الوثائقي بأن صورة الفتاة الأفغانية ظلت تمثل معاناة الشعب الأفغاني ، وإذا بحثت في اليوتيوب ستجد لها فيديو آخر من البي بي سي تقول فيه أن الحكومة الباكستانية قد اعتقلتها لدخولها البلاد بأوراق مزورة ثم مات عنها زوجها وإبنتها الكبرى بسبب المرض وأنها تتمنى تأسيس منظمة للعلاج المجاني.


-       هذه قصتها على الإجمال ، أما أنا فقد ألمت بي بعض خواطر بشأن هذه الفتاة ، منها مثلاً أنه عندما استخدمت كلمة سحر لوصفها ، كنت ولازلت أشعر حقاً بكل معنى للكلمة ، سحر يأسرك حين تواجه عيناها فلا تجد منهما خلاصاً وكأنها أفعى تبث الخوف في عيني فأر حتى تفتك به.

-       شبهتها لحيني بالأفعى ، وأشعر بالذنب ، أفكر بماذا كانت تفكر هذه الفتاة وهي تنظر في قلب الكاميرا ..؟
كيف حصلت على هذه الندبات ..؟
كيف احترق وشاحها داخل المخيم ..؟
كيف بكت والداها وهي ترتحل لاجئة إلى باكستان ، أمن الجحيم يرتحل الناس إلى جحيم ..؟
هل واجهت زوجها بذات العينين وهي في الثالثة عشر من عمرها أم خذلتاها ..؟
بماذا شعرت حينما علمت بعد سبعة عشر عاماً أنها مشهورة ويتم البحث عنها ..؟
هل قالتها فعلاً .. أنها تتمنى على الشعب الأمريكي مساعدة بلادها ..؟ وما مصير الفتاة الأخرى التي التقُطَت لها صورة في ذات المخيم ..؟
في عيني فتاة تعلمت أن نصف العالم يتغذى على النصف الآخر.